فرغم أنَّ التجربة قد عُدَّت عند أرسطو من مبادئ البرهان، ورغم أنه أسَّس لقواعد الاستدلال العقلي، ورغم أنَّه شنَّع في كتابه «الكون والفساد» على الفلاسفة السابقين عليه؛ بالاكتفاء بمقاربة قضايا الطبيعة بالعقل فقط، وعدم استيفاء البحث التجريبي، وبيانه ضرورة اعتماد التجربة في الموضوعات الحسية مع ضمِّ قواعد الاستدلال العقلي إليها.
ورغم أنَّ «كتاب البرهان» عند الفارابي وابن سينا قد طفح في بيان حال التجربة واعتمادها على الحسِّ والعقل معاً، بل تجد أنَّ ابن سينا يصرِّح في كتاب «الفعل والانفعال» بأنَّ قضايا التجربة لا يمكن معرفتها بالقياس فقط، وهي تحتاج إلى الحسِّ، وأنَّ هذا يعتمد على آليات البحث الحسِّي الذي قد يكون متعذراً ويتطور بتقدم الزمن.
بل كتاب أرسطو في «الطبيعيات» وكذا ابن سينا، مشحون -خصوصاً عند الأخير- بذكر الأحكام الثابتة بالمشاهدة والتجربة، بل إنَّ الأحكام التي ذكروها لتطابق جلَّ الأحكام التي توصل إليها العلم الحديث.
وقد أشار إلى ذلك إبراهيم مدكور في المقدمات التي ذكرها لكتب ابن سينا الطبيعية في «كتاب الشفاء»، كما أشار برتراند رسل في «حكمة الغرب» حين الكلام عن أرسطو، إلى مطابقة آراء أرسطو للبحوث الحديثة فيما يخص علوم الحيوان.
رغم كلِّ ذلك، فإنَّ المستطلع لكتب التاريخ الفلسفي، بل حتى المتسمين بالفلاسفة في العصر الحديث، سيجد تقديم أرسطو على أنَّه أهمل التجربة والاستقراء واعتمد الاستدلال العقلي فقط.
وسيقدم فرانسيس بيكون ثائراً ومؤسساً لمنطق جديد في قبال منطق أرسطو، والحال أنَّ الاستقراء والتجربة كانتا في صلب اهتمام المنطق الأرسطي والطبيعيات الأرسطية.
وإنما جريمة أرسطو -والتي هي فضيلة في الحقيقة- كانت بوضعه كلَّ شيءٍ في موضعه، بحصره لاستعمال التجربة كمبدأ للاستدلال العقلي في خصوص الموضوعات الحسية، وقصر الاستقلال العقلي في الاستدلال على القضايا غير الحسية، سواء المنطقية أم الفلسفية العامة أم الإلهية أم الرياضية.
وهذه الحكمة الأرسطية بدل أن تُعدَّ مفخرة له أدَّت -وبسبب سوء الاستخدام والاقتطاع- إلى أن يُقدَّم الفكر الأرسطي على أنَّه فكر للعصور المظلمة وما قبل الحداثة.»
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«الفلسفة» محمّد ناصر، (صـ 78-79)










